الشيخ محمد هادي معرفة
382
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وكذلك قوله : « فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ . قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ » . « 1 » تقديرها : ثمّ إنّهم تجهّزوا وساروا إلى مصر ، فلمّا دخلوا على يوسف . . . قال ابن الأثير : وقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا ، كقوله تعالى : « وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ . فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها » . « 2 » في هذا محذوف ، وهو جواب الاستفهام . لأنّها قالت : هل أدلّكم . . . ؟ وتقدير الجواب : نعم . ودلّتهم على امرأة ، فجيء بها ، وهي امّه ، ولم يعلموا بمكانها ، فأرضعته . وهذه الجملة الثانية - أعني قوله تعالى : « فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ . . . » - تدلّ على المحذوف . لأنّ ردّه إلى امِّه لم يكن إلّا بعد ردّ الجواب على أخته ، ودلالتها إيّاهم على امرأة وصفتها لهم لكي ترضعه . قال : ويكفي هذا الموضع وحده لمن يتبصّر في مواقع المحذوفات وكيفيتها . وممّا يجري على هذا المنهج قوله تعالى - في قصّة سليمان عليه السلام مع الهُدهُد وإرساله بالكتاب إلى بلقيس - : « قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ . اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ . قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ » . « 3 » تقديره : فأخذ الكتاب ، وذهب به ، فلمّا ألقاه إلى المرأة وقرأته قالت . . . * * * قال : ومن حذف الجمل مايعسر تقدير المحذوف منه ، بخلاف ماتقدّم ، ألا ترى أنّ الآيات المذكورة كلّها إذا تأمّلتها وجدتَ معانيها متّصلة من غير تقدير للمحذوفات التي قدّر حذفها . ثمّ إذا قدّرت سهل تقديرها ببديهة النظر . ولكن هناك ما ليس كذلك ، بل إذا تأمّله المتأمّل وجده غير متّصل المعنى ، وإذا أراد
--> ( 1 ) - يوسف 96 : 12 - 99 . ( 2 ) - القصص 12 : 28 - 13 . ( 3 ) - النمل 27 : 27 - 29 .